
عاد ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا إلى الواجهة مع تحركات جديدة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية داخل البلاد، في مسعى لتحديد ما تبقى من البرنامج الذي أُنشئ خلال عهد الرئيس السابق بشار الأسد، والكشف عن المواقع التي قد تضم مواد أو ذخائر خطرة، تمهيداً لتأمينها والتخلص من آثارها.
ويأتي هذا التحرك في مرحلة تسعى فيها السلطات السورية الجديدة إلى إغلاق أحد أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ البلاد، وسط تحديات تتعلق بحصر المنشآت والمخزونات المتبقية، والتحقق من السجلات السابقة، ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات الكيميائية التي شهدتها سوريا خلال سنوات الحرب.
ولا تقتصر أهمية الملف على التخلص من المواد الخطرة، بل تمتد إلى تحديد مصير البرنامج الكيميائي السابق، وتوثيق الانتهاكات المرتبطة باستخدام الأسلحة المحظورة، ومنع بقاء أي مخزونات أو منشآت خارج نطاق الرقابة الدولية.
تحرك دولي لتحديد المواقع الخطرة
أكدت المديرة العامة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، سابرينا دالافيور، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق، أن الأولوية العاجلة تتمثل في تقييم المواقع الأكثر خطورة، والكشف عن بقايا البرنامج الكيميائي السابق، واتخاذ الإجراءات الضرورية لتأمينها.
ورحبت دالافيور بتعاون السلطات السورية الحالية مع المنظمة، في خطوة تعكس أهمية التنسيق بين الجانبين لمعالجة ملف يتطلب خبرات فنية متخصصة وإجراءات تحقق دقيقة، نظراً إلى المخاطر التي قد تنجم عن وجود مواد كيميائية سامة أو ذخائر غير مؤمّنة.
ويحتاج تحديد ما تبقى من البرنامج إلى مراجعة الوثائق والسجلات السابقة، والتحقق من المعلومات المتعلقة بالمنشآت والمخزونات، فضلاً عن الوصول إلى المواقع التي يُشتبه في ارتباطها بالأنشطة الكيميائية. كما تبرز ضرورة تقييم المخاطر المحتملة على العاملين والسكان المحيطين بتلك المواقع قبل البدء بأي إجراءات ميدانية.
ويمثل هذا العمل مرحلة أساسية في مسار التخلص من الإرث الكيميائي، إذ لا يكفي الإعلان عن تدمير مخزونات أو منشآت محددة ما لم تُستكمل عمليات التحقق من نطاق البرنامج السابق ومصير مواده ومعداته.
دمشق تتحدث عن وثائق وموقوفين
من جانبه، وصف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إزالة الأسلحة الكيميائية بأنها «مسؤولية تجاه الضحايا»، معلناً أن السلطات أوقفت 18 متهماً على خلفية ملف الهجمات الكيميائية، بينهم ضباط كبار، تمهيداً لمحاكمتهم.
كما كشف أن دمشق سلمت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكثر من 100 ألف وثيقة رسمية، وأتاحت الوصول إلى سجلات وشهود مرتبطين بالملف، بالتوازي مع العمل على إعداد خارطة طريق تهدف إلى إغلاقه بصورة نهائية.
وتكتسب الوثائق والسجلات أهمية خاصة في محاولة إعادة بناء صورة البرنامج الكيميائي السابق، وتحديد طبيعة الأنشطة التي نُفذت، والجهات التي أشرفت عليها، ومصير المواد والذخائر التي كانت ضمن نطاقه.
أما التحقيقات والملاحقات القضائية، فتفتح مساراً موازياً يتعلق بالمساءلة عن الهجمات الكيميائية. غير أن حسم المسؤوليات يتطلب تحقيقات تستند إلى الأدلة والشهادات والوثائق، وإجراءات قضائية تتيح التحقق من الاتهامات وفق الأصول القانونية.
ويظل نجاح هذه الخطوات مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل المعلومات المتاحة إلى نتائج قابلة للتحقق، واستكمال التعاون الفني والقانوني مع الجهات الدولية المعنية.
تدمير مواد كيميائية والتحقق من ذخائر سابقة
سبق أن أبلغت السلطات السورية مجلس الأمن الدولي بأنها بدأت تدمير مواد كيميائية تعود إلى عهد الأسد. كما أعلنت الأمم المتحدة أن فريقاً تابعاً لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقق خلال أغسطس من تدمير 42 قنبلة جوية.
وتشكل عمليات التدمير والتحقق جزءاً من الجهود الرامية إلى إزالة المخاطر المرتبطة بالبرنامج السابق، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع جوانب الملف قد حُسمت. فإثبات التخلص من مواد أو ذخائر محددة يختلف عن التأكد من عدم وجود مخزونات أخرى أو مواقع لم تُفحص بعد.
ولهذا، تتركز الجهود الحالية على الجمع بين العمل الميداني ومراجعة الوثائق والتحقق من المعلومات التي تقدمها السلطات السورية، بهدف تحديد نطاق البرنامج السابق بدقة أكبر.
وتزداد أهمية هذه العملية بسبب طبيعة المواد الكيميائية السامة، التي قد تشكل خطراً على الصحة العامة والبيئة إذا لم تُخزّن أو تُدمّر وفق إجراءات فنية صارمة. كما أن وجود ذخائر قديمة أو مواقع مهجورة يفرض التعامل معها بحذر إلى حين تحديد محتوياتها ومستوى الخطورة الذي تمثله.
خلفية: كيف بدأ ملف الأسلحة الكيميائية السورية؟
يعود أحد أبرز المنعطفات في هذا الملف إلى عام 2013، عندما انضمت سوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ووافقت على الكشف عن مخزونها الكيميائي والتخلص منه، في أعقاب اتهامات باستخدام غاز السارين في هجمات أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا.
وجاءت تلك الخطوة ضمن ترتيبات دولية استهدفت إزالة المخزون الكيميائي المعلن، وإخضاع عملية التخلص منه للرقابة والتحقق. لكن الملف لم يُغلق نهائياً، إذ استمرت الخلافات بشأن مدى اكتمال التصريحات السورية، إلى جانب التحقيقات المتعلقة بهجمات كيميائية وقعت خلال سنوات النزاع.
وفي عام 2021، جُرّدت سوريا من حقوق التصويت في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، على خلفية اتهامات باستخدام غازي السارين والكلور. وعكست هذه الخطوة استمرار الخلافات الدولية بشأن امتثال سوريا لالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ومع تغير السلطة في دمشق أواخر عام 2024، دخل الملف مرحلة جديدة، بعدما أعلنت القيادة السورية الجديدة استعدادها للتعاون مع المنظمة والكشف عن المعلومات المتعلقة بالبرنامج السابق. وأُعيدت كامل حقوق سوريا في المنظمة في يوليو الماضي، وفق المعلومات الواردة بشأن مسار التعاون الجديد.
ويعكس هذا التسلسل حجم التعقيدات التي تحيط بالملف؛ فالتخلص من المخزون المعلن لم ينهِ الأسئلة المتعلقة بالتصريحات السابقة، أو المسؤولية عن الهجمات، أو احتمال وجود مواد ومنشآت لم يشملها التحقق بصورة نهائية.
ما الذي لا يزال مجهولاً؟
رغم الخطوات المعلنة، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بحجم ما تبقى فعلياً من البرنامج الكيميائي السابق. فالمعلومات المتاحة عن تدمير مواد أو ذخائر محددة لا تقدم وحدها صورة كاملة عن مصير جميع المكونات المرتبطة بالبرنامج.
ويتطلب حسم هذا الجانب التحقق من المواقع المشتبه بها، ومقارنة السجلات القديمة بالبيانات الجديدة، وتحديد ما إذا كانت هناك مواد أو معدات لم تُعلن سابقاً أو لم تخضع للفحص الكامل.
كما أن الوصول إلى الوثائق والشهود قد يساعد في توضيح آليات إدارة البرنامج السابق وسلاسل المسؤولية، لكنه يحتاج إلى عمل تحقيقي متواصل يربط المعلومات بعضها ببعض، ويميز بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي لا تزال قيد التحقق.
وفي الوقت نفسه، يمثل تأمين المواقع ذات الخطورة المحتملة أولوية لا تحتمل التأجيل، لأن أي مواد متبقية أو ذخائر غير مؤمّنة قد تشكل خطراً على السكان والعاملين في عمليات التفتيش والتخلص من المخلفات.
اختبار للسلطات السورية والمنظمة الدولية
يمثل ملف الأسلحة الكيميائية اختباراً عملياً لقدرة السلطات السورية الجديدة على التعاون مع المؤسسات الدولية، ومعالجة إرث ثقيل من سنوات الحرب، وتقديم معلومات قابلة للتحقق بشأن برنامج ظل موضع خلاف لسنوات.
وتواجه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بدورها مهمة معقدة تتطلب توفير الخبرات الفنية، وتقييم المخاطر، والتحقق من عمليات التدمير، ومتابعة الالتزامات المرتبطة بالاتفاقية الدولية. كما أن معالجة الملف بصورة موثوقة تحتاج إلى استمرار الوصول إلى المواقع والوثائق والأشخاص المعنيين.
ولا يقتصر النجاح على التخلص من المواد الخطرة، بل يشمل أيضاً بناء سجل موثق لما حدث، وتحديد مصير المخزونات والمنشآت، ودعم المساءلة عن الهجمات الكيميائية وفق الأدلة والإجراءات القانونية.
وبين عمليات التفتيش والتدمير والتحقيقات القضائية، يبقى إغلاق الملف مرهوناً بمدى اكتمال المعلومات وقدرة الجهات المعنية على التحقق منها. وحتى تتضح الصورة النهائية، سيظل السؤال قائماً: هل تكشف الجهود الجديدة عن كامل ما تبقى من برنامج الأسد الكيميائي، أم أن أجزاء من هذا الإرث لا تزال تنتظر الكشف عنها؟




